الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

79

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [ سورة الأنبياء : 18 ] . والكيد : تقدم . [ 53 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 53 ] وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) ظاهر ترتيب الكلام أن هذا من كلام امرأة العزيز ، مضت في بقية إقرارها فقالت : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي . وذلك كالاحتراس مما يقتضيه قولها : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ سورة يوسف : 52 ] من أن تبرئة نفسها من هذا الذنب العظيم ادعاء بأن نفسها بريئة براءة عامة فقالت : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ، أي ما أبرئ نفسي من محاولة هذا الإثم لأن النفس أمّارة بالسوء وقد أمرتني بالسوء ولكنه لم يقع . فالواو التي في الجملة استئنافية ، والجملة ابتدائية . وجملة إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ تعليل لجملة وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ، أي لا أدعي براءة نفسي من ارتكاب الذنب ، لأن النفوس كثيرة الأمر بالسوء . والاستثناء في إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي استثناء من عموم الأزمان ، أي أزمان وقوع السوء ، بناء على أن أمر النفس به يبعث على ارتكابه في كلّ الأوقات إلّا وقت رحمة اللّه عبده ، أي رحمته بأن يقيّض له ما يصرفه عن فعل السوء ، أو يقيض حائلا بينه وبين فعل السوء ، كما جعل إباية يوسف - عليه السّلام - من إجابتها إلى ما دعته إليه حائلا بينها وبين التورط في هذا الإثم ، وذلك لطف من اللّه بهما . ولذلك ذيلته بجملة إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ثناء على اللّه بأنه شديد المغفرة لمن أذنب ، وشديد الرحمة لعبده إذا أراد صرفه عن الذنب . وهذا يقتضي أن قومها يؤمنون باللّه ويحرمون الحرام ، وذلك لا ينافي أنهم كانوا مشركين فإن المشركين من العرب كانوا يؤمنون باللّه أيضا ، قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * [ سورة العنكبوت : 61 ] وكانوا يعرفون البر والذنب . وفي اعتراف امرأة العزيز بحضرة الملك عبرة بفضيلة الاعتراف بالحق ، وتبرئة البريء مما ألصق به ، ومن خشية عقاب اللّه الخائنين . وقيل : هذا الكلام كلام يوسف - عليه السّلام - متصل بقوله : ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ